الجاحظ

379

الحيوان

رأيت الدّيك النّبطيّ وفيه شبيه بذلك . إلّا إنّ الدّيك أجمل من التّدرج « 1 » ؛ لمكان الاعتدال والانتصاب والإشراف ، وأسلم من العيوب من الطاوس . وكان يقول : ولو كان الطاوس أحسن من الدّيك النّبطي في تلاوين ريشه فقط لكان فضل الديك عليه بفضل القدّ والخرط ، وبفضل حسن الانتصاب وجودة الإشراف أكثر من مقدار فضل حسن ألوانه على ألوان الديك ، ولكان السليم من العيوب في العين أجمل لاعتراض تلك الخصال القبيحة على حسن الطاوس في عين الناظر إليه . وأوّل منازل الحمد السلامة من الذّمّ . وكان يزعم أنّ قول الناس فلان أحسن من الطاوس ، وما فلان إلّا طاوس ، وأنّ قول الشاعر : [ من الرجز ] جلودها مثل طواويس الذّهب « 2 » وأنّهم لمّا سمّوا جيش ابن الأشعث الطواويس لكثرة من كان يجتمع فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال ، إنما قالوا ذلك لأن العامّة لا تبصر الجمال . ولفرس رائع كريم أحسن من كلّ طاوس في الأرض ، وكذلك الرّجل والمرأة . وإنّما ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط ، ولم يذهبوا إلى حسن تركيبه وتنصّبه ، كحسن البازي وانتصابه ، ولم يذهبوا إلى الأعضاء والجوارح وإلى الشّيات والهيئة ، والرأس والوجه الذي فيه . وكان جعفر يقول : لمّا لم يكن في الطاوس إلّا حسنه في ألوانه ، ولم يكن فيه من المحاسن ما يزاحم ذلك ويجاذبه وينازعه ويشغل عنه ، ذكر وتبيّن وظهر . وخصال الديك كثيرة ، وهي متكافئة في الجمال . ونقول : لم يكن لعبد المطّلب في قريش نظير ، وكما أنّه ليس للعرب في النّاس نظير ؛ وذلك حين لم تكن فيه خصلة أغلب من أختها ، وتكاملت فيه وتساوت ، وتوافت إليه فكان الطّبع في وزن المعرفة ، فقالوا عند ذلك : سيّد الأبطح وسيّد الوادي وسيّد قريش . وإذا قالوا سيّد قريش فقد قالوا سيّد العرب ، وإذا قالوا سيّد العرب فقد قالوا سيّد الناس . ولو كان مثل الأحنف الذي برع في حلمه وبرع في سائر خصاله لذكروه بالحلم ؛ ولذلك ذكر قيس بن زهير في الدّهاء ، والحارث بن ظالم في الوفاء ، وعتيبة ابن الحارث في النّجدة والثّقافة .

--> ( 1 ) التدرج : طائر حسن الصوت ، موطنه بلاد فارس . حياة الحيوان 1 / 230 . ( 2 ) الرجز بلا نسبة في ثمار القلوب ( 689 ) .